الشيخ محمد علي طه الدرة
240
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ياء . لوقوعها رابعة ، واشتقاقه من : قفوته ، إذا اتّبعت قفاه ، ثم اتّسع فيه ، فأطلق على كل تابع ، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع . والقفا : مؤخر العنق ، ويقال له : القافية أيضا ، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يعقد الشّيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد » . رواه الشّيخان ، وغيرهما . ومنه قافية الشّعر ، وهي آخر حرف من البيت ، سمّيت بذلك ؛ لأنها تتلو ، وتتبع ما قبلها من أبيات . هذا ؛ وقد قال تعالى في سورة الحديد رقم [ 27 ] : ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ : الحجج ، والمعجزات ، وهي إبراء الأكمه ، والأبرص وإحياء الميّت ، وغير ذلك ، ممّا ذكر في : ( آل عمران ) و ( المائدة ) ، وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ : وقويناه بجبريل عليه الصلاة والسّلام ، رواه أبو مالك ، وأبو صالح عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ومعمر بن قتادة ، وقال حسّان - رضي اللّه عنه - : [ الوافر ] وجبريل رسول اللّه فينا * وروح القدس ليس به خفاء قال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : إنّما سمّي جبريل روح القدس ؛ لأن القدس هو اللّه ، وروحه : بجبريل ، فالإضافة للتّشريف ، وقال الرازي - رحمه اللّه تعالى - : وما يدل على أن روح اللّه القدس بجبريل قوله تعالى في سورة ( النّحل ) : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ . وقال النّحاس : سمّي جبريل روحا ، وأضيف إلى القدس ؛ لأنه كان بتكوين اللّه عز وجل له روحا من غير ولادة والد ولده ، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا ، هذا ؛ والقدس : الطهر ، هذا ؛ وعيسى مأخوذ من العيس ، وهو بياض يخالطه شقرة ، قاله أبو البقاء . أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ : لا يوافق هواكم ، ويلائمه . استكبرتم : عن إجابته ، واتباعه ، والأخذ بتعاليمه . انظر الآية رقم [ 91 ] الآتية : فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ : فكان ممّن كذبوه عيسى ، ومحمّد عليهما ألف صلاة ، وألف سلام . وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ : وممن قتلوه يحيى ، وزكريا ، وغيرهما ، هذا ؛ والتّعبير بالمضارع بقوله تعالى : وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ لم يقل : قتلتم كما قال : كَذَّبْتُمْ ؛ لأنّ المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما ، وكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السّامع ، وجعله ينظر إليها بعينه ، فيكون إنكاره لها أبلغ ، واستفظاعه لها أعظم ، ومنه قوله تعالى في سورة ( الحج ) رقم [ 63 ] : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فعبّر بالماضي ، ثم قال : فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً فعدل عنه إلى المضارع لتصوير اخضرارها في النفس ، وعليه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي - رضي اللّه عنه - ، يصور شجاعته ، وجرأته : [ الوافر ] فإنّي قد لقيت القرن يسعى * بسهب كالصّحيفة صهصهان فآخذه فأضربه فيهوي * صريعا لليدين وللجران